عبد الملك الجويني
105
الشامل في أصول الدين
وهذا الذي ذكروه باطل ، وذلك بأن كل محقق يعلم أن المختصرات من المصنفات لا تحتمل من البسط واستغراق جوانب الكلام ما تشتمل عليه المبسوطات . وأقصى ما يمكن في المختصرات ، ذكر العبارات الوجيزة المنبهة على المقاصد مع إيثار الاختصاص وتجنب الاكثار . والذي يوضح ذلك أن الطاعنين من المعتزلة وغيرهم لا يخلون فيما بين أظهرهم عن تصنيف معتقدات وجيزة ، مع القطع بأنها لا تنطوي على استيعاب أركان الأدلة . ففيما ذكروه إذا منع الاختصار ، وهو خروج عن اتفاق جملة المصنفين في فنون العلم . فإذا وضح جواز الاكتفاء بالتنبيه : ففي كلام شيخنا التنبيه على كل ما يحتاج إليه مقربا من التصريح . والذي يوضح ذلك : أن المعول في إثبات الأعراض على تغير الذوات ، فإن الأعراض لو رجعت إلى أنفس الذوات لاستحال التغير . فقد أومأ رضي اللّه عنه إلى ما عليه المعول في إثبات الأعراض ، ونبّه على حدثها لما ذكر تعاقب الأحوال المتناقضة ، إذ المرجوع في إثبات حدثها إلى العلم بحدث الطاري لطروه ، وحدث الذي قبله لعدمه عند طروء ضده ، إذ القديم لا يعدم ، ولم ينصب على ذلك دليلا لما كان متفقا عليه . وصرح رضي اللّه عنه بالتعرض لاستحالة خروج ما يقبل التغيير عن تعاقب الأحوال ، فقد نبه على جملة المقصد . والذي يوضح ذلك أن الرب تعالى ذكر في محكم كتابه احتجاج إبراهيم صلوات اللّه عليه على حدث الأنجم والشمس بأفولها بعد طلوعها ، وانتقالها عن حالها ، ثم قال الرب تعالى بعد انقضاء ذكر حجاجه وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ [ الأنعام : 83 ] . فسمى ما تقدم ذكره حجة . والذي ذكره شيخنا عين مسألة إبراهيم عليه السلام . والمعترض عليه معترض على إبراهيم . على أنا نقول : لعله رضي اللّه عنه رام نصب الدلالة على القائلين بإثبات الأعراض ، الصائرين إلى القول بحدثها ، وهم أصحاب العنصر . وليس يتعين عليه استيعاب الكلام على الطوائف في مختص اللغة ، وتعرضه لذكر النطفة من أوضح الدلائل على رومه الكلام على أصحاب الهيولى القائلين بأن العالم في الهيولى بالقوة ، والنخلة في النواة ، والإنسان في النطفة بالقوة ، فلذلك لم يبسط القول في إثبات الأعراض وحدثها . ثم نقول : لا يتوقف ثبوت حدث العالم على إثبات الأعراض ، ولكن من علم تعاقب الأحوال المتناقضة على بعض الذوات ، علم استحالة عروه منها . فهذا يفضي به إلى العلم بحدث الذات ، وإن لم يتعرض لكون الأحوال موجودات وكونها أغيارا للذات . فلم يتوقف